خليل الصفدي
16
نكت الهميان في نكت العميان
المقدمة الثالثة في حد العمى قيل في تعريفه : إنه عبارة عن عدم البصر عما من شأنه أن يبصر ، وكذا الصمم عبارة عن عدم السمع عما من شأنه أن يسمع ، فالعمى والصمم حينئذ معنيان وجوديّان متضادان ، وقد نازع الفلاسفة في هذا للمتكلمين نزاعا شديدا ، وقالوا : إن تقابل السمع والصمم ، وتقابل العمى والبصر تقابل العدم والملكة لا تقابل الضدين . فصل : من الناس من قال : إن السمع أفضل من البصر ؛ لأن اللّه تعالى حيث ذكرهما في كتابه العزيز قدم السمع على البصر ، حتى في قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [ البقرة : 18 ] ، فقدم متعلق السمع على متعلق العين ، والتقدم دليل الفضيلة ، ولأن السمع شرط في النبوة بخلاف البصر ، ولذلك لم يأت في الأنبياء صلى اللّه عليهم من كان أصم ، وجاء فيهم من طرأ عليه العمى ، وسيأتي الكلام على منع جواز العمى على الأنبياء صلى اللّه عليهم . قالوا : وبالسمع تصل نتائج العقول ، فالسمع كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف والعلوم ، وهو متصرف في الجهات الست ، والبصر لا يتصرف إلا فيما يقابله من المرئيات ، ولأن السمع أصل للنطق ، ولهذا لا ترى الأخرس إلا أصم ، وقيل : سبب خرسه أنه لم يسمع شيئا ليحكيه . والبصر إذا بطل لم يبطل النطق ، ومن قال : إن البصر أفضل ، استدل بأن قال : متعلق القوة الباصرة هو النور ، ومتعلق القوة السامعة هو الريح ، والنور أفضل من الريح . قال صاحب الكشاف : البصر نور العين ، كما أن البصيرة هي نور القلب . قلت : ولا شك أن أدلة فضيلة السمع أقوى من دليل فضيلة البصر . وللشيخ تقى الدين أبى العباس أحمد بن تيمية ، رحمه اللّه تعالى ، كراسة في ذلك ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . خاتمة : الأعمى هل له حظ في الرؤيا أو لا ؟ بعض الناس قال : الأعمى يرى المنامات ، وبعضهم قال : لا يرى . والصحيح أن المسألة ذات تفصيل ، وهو أن الأعمى إن كان قد طرأ عليه العمى بعد ما ميّز الأشياء فهذا يرى ؛ لأن القوة المتخيلة منه ارتسم فيها صور الأشياء من المرئيات على اختلاف